أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
445
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأما عند من يجيز أن تجر المضمر فلا يمتنع ذلك عنده ، ويكون من أعمال الثاني ، لحذفه ، ويكون كقولك : فرحت ومررت بزيد ، أي : فرحت به . ولو كان من إعمال الأول لم يحذفه من الثاني . وقوله : كَلامَ اللَّهِ من باب إضافة الصفة لموصوفها ، لا من باب إضافة المخلوق للخالق . و مَأْمَنَهُ يجوز أن يكون مكانا ، أي : مكان أمنه ، وأن يكون مصدرا ، أي : ثمّ أبلغه أمنه . قوله : كَيْفَ يَكُونُ . في خبر « يَكُونُ » ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه « كَيْفَ » ، و « عَهْدٌ » اسمها ، والخبر هنا واجب التقديم ، لاشتماله على ماله صدر الكلام ، وهو الاستفهام . و « لِلْمُشْرِكِينَ » على هذا متعلقة إمّا ب « يَكُونُ » ، على من يجيز في « كان » أن يعمل في الظرف وشبهه ، إمّا بمحذوف ، لأنه صفة ل « عَهْدٌ » في الأصل ، فلما قدمت نصبت حالا . و « عِنْدَ » إمّا متعلقة ب « يَكُونُ » ، أو ب « عَهْدٌ » ، لأنه مصدر ، أو بمحذوف وقع صفة له . الثانيأن يكون الخبر « لِلْمُشْرِكِينَ » و « عِنْدَ » على هذا فيها الأوجه المتقدمة ، ويجوز أيضا أن يكون ظرفا للاستقرار الذي تعلق به « لِلْمُشْرِكِينَ » . والثالث : أن يكون الخبر « عِنْدَ اللَّهِ » ، و « لِلْمُشْرِكِينَ » على هذا إمّا تبيين ، وإمّا متعلق ب « يَكُونُ » عند من يجيز ذلك - كما تقدم - ، وإمّا حال من « عَهْدٌ » ، وإمّا متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر ، ولا يبالي بتقديم معمول الخبر على الاسم ، لكونه حرف جر ، و « كَيْفَ » على هذين الوجهين الأخيرين مشبهة بالظرف ، أو بالحال ، كما تقدم تحقيقه في كَيْفَ تَكْفُرُونَ « 1 » . ولم يذكروا هنا وجها رابعا ، وكان ينبغي أن يكون هو الأظهر ، وهو أن يكون الكون تاما ، بمعنى : كيف يوجد عهد للمشركين عند اللّه . والاستفهام هنا بمعنى النفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء ب « إِلَّا » . ومن مجيئه بمعنى النفي أيضا قوله : 2474 - فهذي سيوف يا هديّ بن مالك * كثير ، ولكن كيف بالسّيف ضارب « 2 » أي : ليس ضارب بالسيف . قوله : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ فيه وجهان ، أحدهما : أنه استثناء منقطع ، أي : لكن الذين عاهدتم ، فإنّ حكمهم كيت وكيت . والثاني : أنه متصل ، وفيه حينئذ احتمالان : أحدهما : أنه منصوب على أصل الاستثناء من « المشركين » . والثاني : أنه مجرور على البدل منهم ، لأن معنى الاستفهام المتقدم نفي ، أي : ليس يكون للمشركين عهد ، إلّا الذين لم ينكثوا . وقياس قول أبي البقاء فيما تقدم أن يكون مرفوعا بالابتداء ، والجملة من قوله : « فَمَا اسْتَقامُوا » خبره . قوله : « فَمَا » يجوز في « ما » أن تكون مصدرية ظرفية ، وهي في محل نصب على ذلك ، أي : فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم . ويجوز أن تكون شرطية ، وحينئذ ففي محلها وجهان ، أحدهما : أنها في محل نصب على
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 28 ) . ( 2 ) تقدم .